الغزالي
137
إحياء علوم الدين
وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة . فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة . فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير ، فقد خاطر بنفسه وأهلكها . ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها ، فإنها تجف على القرب . وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر ، فمعتصم المريد بعد تقديم الشروط المذكورة شيخه ، فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطئ النهر بالقائد ، بحيث يفوض أمره إليه بالكلية ، ولا يخالفه في ورده ولا صدره ولا يبقى في متابعته شيئا ولا يذر . وليعلم أن نفعه في خطأ شيخه لو أخطأ ، أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب فإذا وجد مثل هذا المعتصم ، وجب على معتصمه أن يحميه ويعصمه بحصن حصين ، يدفع عنه قواطع الطريق ، وهو أربعة أمور . الخلوة ، والصمت ، والجوع ، والسهر . وهذا تحصن من القواطع . فإن مقصود المريد إصلاح قلبه ، ليشاهد به ربه ، ويصلح لقربه أما الجوع ، فإنه ينقص دم القلب ويبيضه ، وفي بياضه نوره . ويذيب شحم الفؤاد ، وفي ذوبانه رقته ، ورقته مفتاح المكاشفة ، كما أن قساوته سبب الحجاب . ومهما نقص دم القلب ، ضاق مسلك العدو . فإن مجاريه العروق الممتلئة بالشهوات . وقال عيسى عليه السلام يا معشر الحواريين جوعوا بطونكم ، لعل قلوبكم ترى ربكم . وقال سهل بن عبد الله التستري ما صار الأبدال أبدالا إلا بأربع خصال . بإخماص البطون ، والسهر ، والصمت ، والاعتزال عن الناس ففائدة الجوع في تنوير القلب أمر ظاهر ، يشهد له التجربة . وسيأتي بيان وجه التدريج فيه في كتاب كسر الشهوتين وأما السهر ، فإنه يجلو القلب ، ويصفيه وينوره ، فيضاف ذلك إلى الصفاء الذي حصل من الجوع ، فيصير القلب كالكوكب الدري ، والمرآة المجلوة ، فيلوح فيه جمال الحق ، ويشاهد فيه رفيع الدرجات في الآخرة ، وحقارة الدنيا وآفاتها . فتتم بذلك رغبته عن الدنيا وإقباله على الآخرة . والسهر أيضا نتيجة الجوع ، فإن السهر مع الشبع غير ممكن . والنوم يقسي القلب ويميته